العلوم

دبي–نيويورك في 40 دقيقة: السفر بالصاروخ

تخيّل هذا المشهد: تحتسي قهوتك الصباحية في مرسى دبي، وقبل أن يبرد فنجانك الثاني تكون قد هبطت في مانهاتن. لا رحلة طيران تمتدّ لأربع عشرة ساعة، ولا فارق توقيت يسحقك لأيام، ولا يوم كامل يضيع فوق المحيطات. مجرد نحو 40 دقيقة تفصل بين ناطحات سحاب دبي وأفق نيويورك.

يبدو الأمر كأنه مشهد من فيلم خيال علمي، لكنه في الحقيقة مفهوم هندسي جادّ تعمل عليه شركة سبيس إكس (SpaceX)، ويحمل اسم “من الأرض إلى الأرض” (Earth-to-Earth). الفكرة بسيطة في جوهرها وجريئة في طموحها: بدلاً من استخدام الصاروخ للوصول إلى الفضاء والبقاء هناك، نستخدمه لننطلق إلى حافة الفضاء ثم نعود لنهبط في مدينة أخرى على الطرف الآخر من الكوكب [2].

في هذا المقال نغوص عميقاً في هذه التقنية: كيف تعمل؟ وما الأوقات التي أعلنتها سبيس إكس فعلياً؟ وهل هي حلم قريب أم بعيد؟


كيف يكون هذا ممكناً أصلاً؟

المفتاح يكمن في كلمة واحدة: “دون مداري” (Suborbital). الرحلة لا تدور حول الأرض كما تفعل الأقمار الصناعية، بل ترسم قوساً هائلاً عبر حافة الفضاء ثم تعود.

إليك ما يحدث خطوة بخطوة:

  • الإقلاع: تنطلق مركبة ستارشيب (Starship) محمولة على معزّز عملاق يُدعى سوبر هيفي (Super Heavy). هذا المعزّز هو أقوى صاروخ بُني على الإطلاق، ومهمته دفع المركبة وركّابها إلى مسار دون مداري بسرعة مذهلة.

  • الصعود إلى حافة الفضاء: ترتفع المركبة إلى ما وراء الطبقات الكثيفة من الغلاف الجوي. هناك، حيث يكاد الهواء يختفي، تتلاشى مقاومة الهواء التي تُبطئ الطائرات العادية، فتتمكن المركبة من الانطلاق بسرعة فرط صوتية (Hypersonic) تفوق سرعة الصوت بأضعاف كثيرة.

  • دقائق من انعدام الوزن: خلال القوس الأعلى من الرحلة، يشعر الركّاب بلحظات قصيرة من الجاذبية الصغرى (Microgravity) — الإحساس نفسه الذي يختبره روّاد الفضاء، حيث تطفو الأجسام بلا وزن. تجربة عابرة لكنها فريدة.

  • الهبوط: تدخل المركبة الغلاف الجوي مجدداً، وتُبطئ سرعتها تدريجياً، ثم تهبط عمودياً على منصّة في عرض البحر قرب المدينة المقصودة.

نقطة مهمة: منصّات الإطلاق والهبوط بحرية، أي أنها تقع على منصّات عائمة في البحر بالقرب من المدن الكبرى. السبب بسيط: الصواريخ عالية الصوت، وإبعادها عن قلب المدينة يقلّل الإزعاج ويرفع مستوى الأمان [2].

بهذه الطريقة، تتحوّل الأداة نفسها التي تنقل البشر إلى المريخ إلى وسيلة نقل بين مدن الأرض.


الجدول الكامل: كم تستغرق الرحلات فعلياً؟

نشرت سبيس إكس مجموعة من الأوقات التقديرية لرحلاتها بين كبرى مدن العالم. والأرقام ببساطة تعيد تعريف معنى “البُعد” على كوكبنا [2] [3]:

المسارالمدة بالصاروخ
دبي ← نيويورك~40 دقيقة
نيويورك ← شنغهاي39 دقيقة
لندن ← نيويورك29 دقيقة
لوس أنجلوس ← طوكيو37 دقيقة
سيدني ← لندن51 دقيقة
نيويورك ← باريس30 دقيقة

القاعدة العامة التي تروّج لها الشركة صادمة: معظم الرحلات تستغرق أقل من 30 دقيقة، وأي وجهة على وجه الأرض تُقطع في أقل من ساعة واحدة.

توقّف لحظة عند هذا المعنى. الرحلة من سيدني إلى لندن — التي تُعدّ اليوم من أطول الرحلات الجوية على الإطلاق وتستغرق أكثر من عشرين ساعة — تنكمش إلى 51 دقيقة فقط. أي أقل من مدة فيلم واحد.


المقارنة: 40 دقيقة مقابل 14 ساعة

لكي ندرك حجم القفزة، لنعُد إلى مسارنا الأساسي:

  • دبي ← نيويورك بالطائرة اليوم: نحو 14 ساعة من الطيران المتواصل.
  • دبي ← نيويورك بالصاروخ: نحو 40 دقيقة.

الفارق ليس تحسيناً تدريجياً، بل تحوّل جذري في المفهوم. ولنأخذ مثالاً آخر أوضح: رحلة نيويورك ← شنغهاي تستغرق بالطائرة اليوم ما بين 15 و20 ساعة، بينما يقطعها الصاروخ في 39 دقيقة [1].

بعبارة أخرى: ما تقضيه اليوم نائماً على متن طائرة عابرة للمحيط، يمكن أن يتحوّل إلى استراحة قهوة قصيرة. رجل الأعمال الذي يغادر دبي صباحاً يمكنه حضور اجتماع في نيويورك وتناول الغداء في بيته من جديد. هذا ما تعنيه عبارة “نهاية عصر رحلات العمل الليلية” التي يتحدّث عنها الخبراء [3].


الأبناء العمومة الأقرب: الطائرات الفرط صوتية

الصاروخ ليس الطريق الوحيد نحو المستقبل. ثمة تقنية “أقرب زمنياً” وإن كانت أقلّ سرعة: الطائرات الفرط صوتية (Hypersonic aircraft).

هذه الطائرات لا تغادر الغلاف الجوي كما يفعل الصاروخ، لكنها تحلّق بسرعات تتجاوز خمسة أضعاف سرعة الصوت أو أكثر. وهي في مرحلة تطوير نشطة على يد عدة شركات ناشئة طموحة:

  • فينوس إيروسبيس (Venus Aerospace): تعمل على محرّكات ثورية تهدف إلى جعل السفر الفرط صوتي التجاري واقعاً ممكناً.
  • هيرميوس (Hermeus): تطوّر طائرات قادرة على بلوغ سرعات فرط صوتية، بهدف اختصار الرحلات العابرة للقارات إلى جزء بسيط من زمنها الحالي.

الفكرة هنا وسط بين عالمين: هذه الطائرات ليست بسرعة الصاروخ، لكنها أقرب إلى التطبيق الواقعي وأقلّ تعقيداً من إطلاق البشر إلى حافة الفضاء. يمكن اعتبارها الخطوة الانتقالية التي قد تسبق ثورة الصواريخ [4].


التحديات والواقعية: متى يصبح هذا حقيقة؟

قبل أن نحجز تذاكرنا من دبي إلى نيويورك، من الإنصاف أن نضع الحلم على أرض الواقع. فهذا المشروع، رغم بريقه، يواجه عقبات ضخمة [4]:

  • التكلفة: إطلاق صاروخ أغلى بمراحل من تشغيل طائرة. جعل السعر في متناول المسافر العادي تحدٍّ اقتصادي هائل، وقد يبقى الأمر لسنوات حكراً على شريحة محدودة.

  • قوة الجاذبية (قوى G) والراحة: الإقلاع والهبوط بسرعات صاروخية يعرّض الجسم لقوى تسارع عالية. ليس كل مسافر — خصوصاً كبار السنّ أو أصحاب الحالات الصحية — قادراً على تحمّل هذه القوى بسهولة، ما يطرح تساؤلات جدّية حول راحة الركّاب.

  • الضوضاء: الصواريخ تُصدر أصواتاً هائلة عند الإقلاع، وهو ما يفرض إبعاد منصّات الإطلاق إلى عرض البحر بعيداً عن المناطق السكنية.

  • الأمان: نقل مدنيين على متن صاروخ يتطلّب مستويات موثوقية غير مسبوقة. معايير السلامة يجب أن ترقى إلى ما يعادل — أو يفوق — سلامة الطيران التجاري الحالي.

  • التنظيم والتشريع: لا توجد بعد أطر قانونية دولية تنظّم “رحلات الركّاب الصاروخية” بين الدول. من يمنح التصاريح؟ ومن يتحمّل المسؤولية؟ أسئلة تحتاج إلى سنوات من العمل التشريعي.

الخلاصة الواقعية: هذا المشروع لا يزال في مرحلة المفهوم والمستقبل، وليس خدمة تجارية متاحة اليوم. إنه رؤية طموحة تشير إلى اتجاه ممكن، لا جدول مواعيد جاهزاً للحجز. لكن كما علّمنا تاريخ الطيران، فإن ما يبدو مستحيلاً في جيل قد يصبح روتيناً يومياً في الجيل التالي.


الأسئلة الشائعة

هل سيشعر الركّاب بانعدام الوزن أثناء الرحلة؟ نعم، لفترة قصيرة. خلال الجزء الأعلى من المسار الدون مداري، يختبر الركّاب دقائق معدودة من الجاذبية الصغرى، وهي التجربة نفسها التي يعيشها روّاد الفضاء حيث تطفو الأجسام بلا وزن. لكنها لحظات عابرة وليست طوال الرحلة.

كم ستستغرق رحلة دبي إلى نيويورك بالضبط؟ وفق التقديرات المعلنة، نحو 40 دقيقة، مقارنة بحوالي 14 ساعة من الطيران المتواصل اليوم. أي اختزال يقارب 95% من زمن الرحلة الحالي.

هل هذه الخدمة متاحة الآن للحجز؟ لا. المشروع لا يزال في مرحلة المفهوم، ولم يتحوّل بعد إلى خدمة تجارية. الأوقات المذكورة تقديرات مستقبلية تعتمد على نجاح تطوير مركبة ستارشيب وتذليل التحديات التقنية والتنظيمية والاقتصادية.

لماذا تكون منصّات الإطلاق في البحر وليست في المطارات؟ لسببين رئيسيين: الضوضاء الهائلة التي تُصدرها الصواريخ عند الإقلاع، والأمان. وضع المنصّات على مسافة من المدن في عرض البحر يقلّل الإزعاج للسكان ويوفّر هامش أمان أكبر، مع بقائها قريبة بما يكفي للوصول إليها بسهولة.


المصادر

  1. HowStuffWorks — New York to Los Angeles in 12 Minutes — https://science.howstuffworks.com/transport/flight/modern/commute-new-york-to-los-angeles-in-12-minutes.htm
  2. SpaceX — Starship (Earth-to-Earth) — https://www.spacex.com/vehicles/starship/
  3. Forbes — SpaceX Starship business travel (2026) — https://www.forbes.com/sites/jamiecartereurope/2026/06/05/spacex-ipo-why-starship-could-end-overnight-business-travel/
  4. NASASpaceflight — Starship point-to-point (2025) — https://nasaspaceflight.com/2025/06/point-to-point-2025/
التصنيفات:العلوم

← العودة إلى العلوم